تمكين المرأة.. خطوة جديدة في مسار بناء الدولة اليمنية الحديثة

في تاريخ الأمم، لا تُقاس مكانة المرأة بما يُكتب عنها في الكتب، بل بما يُسند إليها من مسؤوليات في لحظات التحول الكبرى. واليمن، الذي أنجب الملكة بلقيس والملكة أروى الصليحية، لم يعرف المرأة مجرد شاهد على التاريخ، بل شريكًا في صناعته. فمنذ فجر الحضارة اليمنية، مرورًا بمحطات النضال الوطني وثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر، وصولًا إلى معركة استعادة الدولة اليوم، ظلت المرأة اليمنية حاضرة كلما احتاج الوطن إليها. ولذلك، فإن أي خطوة تعزز حضورها في مواقع صنع القرار ليست خروجًا على التاريخ، بل عودة إليه، واستعادة لواحد من أعمق ملامح الهوية اليمنية.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة القرارات الجمهورية الأخيرة التي أصدرها فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي، والتي تضمنت تعيين الدكتورة أفراح عبدالعزيز الزوبة وزيرًا للخارجية وشؤون المغتربين، كأول امرأة تتولى هذه الحقيبة السيادية في تاريخ الجمهورية، وتعيين الدكتورة عهد محمد سالم جعسوس وزيرًا للإدارة المحلية، كأول امرأة تتولى هذه الوزارة منذ قيام الجمهورية. فهي ليست مجرد تعديل وزاري، وإنما رسالة سياسية تؤكد أن الدولة الحديثة تُبنى بالكفاءات، وأن توسيع المشاركة في صناعة القرار يمثل أحد مرتكزات الإصلاح المؤسسي وبناء الدولة الحديثة.
ومع ذلك، جاءت بعض ردود الفعل أسيرة لنظرة تقليدية اختزلت النقاش في سؤال: "يعني ما عاد في رجال؟" وكأن معيار المسؤولية العامة هو الجنس لا الكفاءة. والمفارقة أن أصحاب هذا الطرح هم أنفسهم الذين يتغنون بتاريخ المرأة اليمنية ودورها الحضاري والوطني، ثم ينكرون عليها حقها في الحاضر.
فلا يمكن أن نفخر ببلقيس وأروى وغيرهن في كتب التاريخ، ثم نستكثر على المرأة اليمنية اليوم أن تكون جزءًا من صناعة حاضر وطنها.
في التجارب الدولية الحديثة، لم يكن السؤال: هل القائد رجل أم امرأة؟ بل: هل يمتلك الكفاءة لقيادة الدولة؟ وهكذا انتصرت معايير الجدارة على الأحكام المسبقة، وقدمت نماذج سياسية أصبحت مرجعًا في القيادة والإدارة. ولعل التجربتين الألمانية والبريطانية خير مثال على ذلك؛ فلو أن الألمان نظروا إلى القيادة بالمنطق ذاته، لما وصلت أنغيلا ميركل إلى المستشارية، ولما قادت ألمانيا خلال أصعب الأزمات الاقتصادية والسياسية في أوروبا. ولو أن البريطانيين تبنوا الفكرة نفسها، لما أصبحت مارغريت تاتشر، "المرأة الحديدية"، واحدة من أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ السياسي البريطاني. لقد حكمت تلك التجارب على الأداء، لا على الجنس، وهذا هو معيار الدول الحديثة.
اللافت أن هذه القرارات لا تأتي بمعزل عن مسار مؤسسي متدرج يقوده رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي، فقد شهدت السنوات الأخيرة تعيين أول امرأة عضوًا في مجلس القضاء الأعلى، وتعيين قاضيات في المحكمة العليا، وأول سفيرة يمنية لدى الولايات المتحدة، قبل أن يمتد حضور المرأة اليوم إلى وزارات سيادية وخدمية ترتبط مباشرة بصناعة القرار وإدارة العلاقات الخارجية والحكم المحلي. وهو ما يعكس رؤية تتعامل مع المرأة بوصفها شريكًا في بناء الدولة، لا مجرد حضور رمزي.
إن المكسب الحقيقي لهذه القرارات لا يقتصر على المرأة اليمنية، بل يمتد إلى الدولة نفسها. فكلما اتسعت دائرة الاستفادة من الكفاءات الوطنية، ازدادت مؤسسات الدولة قوة وقدرة على مواجهة التحديات. أما الحكم على أي مسؤول، رجلًا كان أو امرأة، فيجب أن يكون بقدر ما يحققه من إنجاز، لا بقدر ما يحمله من صفات شخصية. فالدول التي تتقدم هي تلك التي تجعل الكفاءة معيارًا، وتترك للأداء وحده حق إصدار الأحكام. وفي هذا تكمن القيمة السياسية الحقيقية لهذه القرارات، بوصفها خطوة جديدة في مسار استعادة الدولة وبناء يمن حديث يتسع لجميع أبنائه وبناته على أساس الجدارة والاستحقاق.

